عبد المنعم الحفني

75

موسوعة القرآن العظيم

والحمد مدح ، والمدح مكروه إلا للّه ، فقد افتتح كتابه بالحمد ولم يأذن بذلك لغيره فقال : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى ( 32 ) ( النجم ) ، وقال نبيّه : « احثوا في وجوه المدّاحين التراب » أخرجه مسلم . وقوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ جعل الحمد له من نفسه قبل أن يحمده أحد من العالمين ، فقد كان محمودا في الأزل بلا علّة ، وأما أن يحمده خلقه فإنما بالعلل . ولمّا علم سبحانه عجز الناس عن حمده ، حمد نفسه بنفسه ولنفسه ، فاستفرغ طوق الناس لعجزهم عن حمده . والنبىّ صلى اللّه عليه وسلم قد أظهر العجز عن حمده فقال : « لا أحصى ثناء عليك » أخرجه أحمد . فلما علم سبحانه كثرة نعمه على عباده ، وعجزهم عن حمده ، حمد نفسه عنهم فأسقط عنهم ثقل المنّة . فأين هذه الفلسفة للحمد للّه عند اليهود والنصارى ؟ والحمد للّه بضم الدال ، وبعضهم قال بنصبها ، ومن قال بالنصب كما لو كان هناك فعل مضمر ، وأما بالرفع فمبتدأ وخبر ، وفائدة الخبر أنك تخبر بأنك والخلق جميعهم تحمدون اللّه ، ومن ينصب الحمد يخبر أن الحمد منه وحده للّه ، والراجح أنه تعالى مدح نفسه لنفسه ليعلّم عباده ، فالمعنى : قولوا الحمد للّه . فالحمد للّه أن كان كتابنا القرآن لا مثيل له في أىّ من الملل ، ويبطل الزعم أن القرآن يأخذ من التوراة والأناجيل ! * * * 109 . الاستعاذة من فرائد القرآن في القرآن ترد مادة العوذ سبع عشرة مرة ، منها وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ( 20 ) ( الدخان ) ، و قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) ( مريم ) ، وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ( 97 ) ( المؤمنون ) ، و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ( 1 ) ( الفلق ) ، و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ( 1 ) ( الناس ) ، و يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً ( 6 ) ( الجن ) ، وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ( 36 ) ( آل عمران ) ، وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 200 ) ( الأعراف ) ، فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ( 98 ) ( النحل ) ، و قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 23 ) ( يوسف ) . فهذه صيغ الاستعاذة أو العياذة باللّه كما في القرآن ، والمعنى فيها جميعا اللجوء إلى اللّه ، ولا شئ من ذلك البتة في اليهودية ولا في النصرانية ، وليس صحيحا ما قاله المستشرقون أن القرآن أخذ الاستعاذة من هاتين الديانتين . والعوذة ، والمعاذة ، والتعويذ ، كلها بمعنى ، وأكثر الاستعاذة من الشيطان ، نقول « أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم » ،